ابن الجوزي

30

صفة الصفوة

فقلت لها أو قال لها زوجي : دعي ابني فلنرجع به فإنا نخشى عليه وباء مكة . قالت : ونحن أضنّ شيء به لما رأينا من بركته صلّى اللّه عليه وسلم . فلم نزل بها حتى قالت : ارجعا به . قالت : فمكث عندنا شهرين . قالت : فبينما هو يلعب يوما من الأيام هو وأخوه خلف البيت إذا جاء أخوه يشتد فقال لي ولأبيه : أدركا أخي القرشي فقد جاءه رجلان فأضجعاه فشقّا بطنه قالت فخرجت وخرج أبوه يشتد نحوه فانتهينا إليه وهو قائم منتقع « 1 » لونه فاعتنقته واعتنقه أبوه وقال : مالك يا بني ؟ قال : أتاني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني فشقّا بطني ، واللّه ما أدري ما صنعا . قالت : فاحتملناه فرجعنا به . قالت يقول زوجي : واللّه يا حليمة ما أرى الصبي إلا قد أصيب . فانطلقي فلنرده إلى أمه قبل أن يظهر به ما نتخوف عليه . قالت فرجعنا به إلى أمه ، فقالت ما ردّكما به فقد كنتما حريصين عليه ؟ فقلنا : لا واللّه إلا أنّا كفلناه وأدينا الذي علينا من الحق فيه ، ثم تخوفنا عليه الأحداث فقلنا : يكون عند أمه فقالت : واللّه ما ذاك بكما فأخبراني خبركما وخبره . قالت : فو اللّه ما زالت بنا حتى أخبرناها خبره . قالت أتخوفتما عليه ؟ لا واللّه إن لابني هذا شأنا ألا أخبركما عنه : إني حملت به فلم أحمل حملا قط هو أخف منه ولا أعظم بركة منه ، لقد وضعته فلم يقع كما يقع الصبيان ، لقد وقع واضعا يده في الأرض رافعا رأسه إلى السماء . دعاه والحقا بشأنكما . قال الشيخ : وظاهر هذا الحديث يدل أن آمنة حملت غير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؛ وقد قال الواقدي : لا يعرف عند أهل العلم أن آمنة وعبد اللّه ولدا غير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . فأما حليمة : فهي بنت أبي ذؤيب واسمه عبد اللّه بن الحارث بن شحنة بن جابر السعدية ، قدمت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وقد تزوج خديجة ، فشكت إليه جدب البلاد فكلّم خديجة فأعطتها أربعين شاة وأعطتها بعيرا ، ثم قدمت عليه بعد النبوة فأسلمت وبايعت وأسلم زوجها الحارث بن عبد العزّى .

--> ( 1 ) منتقع اللون : أي متغيره ، يقال : انتقع لونه بالبناء للمفعول كما في نهاية ابن الأثير .